في طابور طويل أمام مقر النائب البرلماني، يقف رجل مسن يمسك بملف أوراق إصفر بفعل الزمن، ينتظر دوره لا ليعرض رؤية تشريعية تخص مستقبل أولاده، ولا ليناقش قانوناً يمس حريته أو دخله، بل ليحصل على تأشيرة استثناء تعفي ابنه من النقل البعيد، أو تسرّع علاج زوجته على نفقة الدولة، أو توفر الصرف صحي لشارعه المنسي. وفي الجهة الأخرى من الصورة، يجلس النائب، وقد أرهقته الحقائب المليئة بطلبات الخدمات الفردية، يطرق أبواب الوزارات والهيئات صباح مساء، يتودد لهذا المسؤول كي يوقع له طلب رصف، أو يلتمس من ذاك الوزير موافقة على خطة “إنترلوك” .
هنا بالتحديد، تنشأ أكبر دراما سياسية وإنسانية في واقعنا النيابي: كيف لنائب يقضي نهاراً يتوسل الخدمات من الجهاز التنفيذي، أن يملك شجاعة استجلاء الحقيقة وممارسة الرقابة الصارمة على نفس هذا الجهاز تحت قبة البرلمان؟ إنها الجدلية المسكوت عنها، والعوار الهيكلي الذي يقزّم النيابة الشعبية، ويُفرغ دولة المؤسسات من مضمونها.
أولاً: التناقض الصارخ بين حقيبة الخدمة والدور الرقابي
إن الروح الدستورية لأي نظام ديمقراطي تقوم على الفصل بين السلطات، وعلى موازنة دقيقة تجعل البرلمان هو السيد في ساحة التشريع والرقابة، النائب لم يُنتخب ليكون امتداداً للجهاز الإداري للدولة، بل ليكون رقيباً عليه ومصوباً لأدائه. لكن الواقع المحلي يسحب النائب سحباً إلى مصيدة التناقض الرقابي والخدمي، فعلى صعيد تراجع مكانة النائب، عندما يقف النائب ينتظر دوراً عند رئيس هيئة أو مدير مكتب وزير للحصول على تأشيرة خدمية، فإنه ينزل اضطراراً من مرتبة “المراقب الدستوري” إلى مرتبة “التوسل الإداري”. وفيما يخص مقايضة الأدوات الدستورية، يتحول الاستجواب والطلب والمباشرة الرقابية إلى أوراق تُسحب من التداول، لأن الوزير أو المسؤول يعلم جيداً أن هذا النائب مرتبط بمصالح خدمية لجمهوره، وبذلك تُشلّ تماماً أنياب البرلمان الرقابية. سؤال مسكوت عنه: كيف يجرؤ نائب على رفع “سيف الاستجواب” بوجه وزير، وهو يتنقل بحقيبته بين مكاتب وزارة ذلك الوزير ليحظى بـ “تأشيرة استثناء” تمسّ أهالي دائرته؟
ثانياً: مأساة الاختزال من صياغة السياسات الاستراتيجية إلى “الإنترلوك” والشبكات …إلخ
من المؤلم، بل ومن المخجل سياسياً، أن يختزل دور ممثل الشعب الذي بيده رسم السياسات العامة للدولة وموازنتها في قائمة خدمات موضعية كلاسيكية، مثل متابعة طلبات الصرف الصحي وتوصيل المياه والغاز، ورصف الطرق وتبليط الحواري بالإنترلوك، وتوسعة الأحوزة العمرانية ومتابعة تراخيص البناء… إلخ، ليس العيب في الخدمات ذاتها، فالخدمات أساس حياة الناس وكرامتهم، ولكن العيب الجسيم يكمن في تحجيم دور المشرع ليصبح مديراً إدارياً لتلك الخدمات. عندما يقضي النائب غالبية وقته في متابعة هدم وإعادة بناء مدرسة، أو محاولة إنارة شارع فرعي، فإن الوطن يخسر عقلية تشريعية كان يفترض بها أن تناقش قوانين الاستثمار، والتعليم، والصحة، وحماية الحقوق، إننا نقتل الفكر الاستراتيجي لنيابة الأمة.
ثالثاً: الفراغ الخدمي وغياب المجالس المحلية
لم يأتِ هذا الخلل الهيكلي من فراغ، ولم يفرضه النواب اختياراً، بل هو نتيجة مباشرة للفراغ التنفيذي والخدمي الناتج عن غياب المجالس الشعبية المحلية المنتخبة لسنوات طويلة. فالمجالس المحلية هي المنوط بها قانوناً ودستورياً متابعة خدمات الأحياء والقرى والمراكز، بدءاً من النظافة والرصف وصولاً إلى الأحوزة العمرانية ومرافق المياه والصرف، وكان نطاقها الميداني الضيق يتيح لها الاحتكاك اليومي بتلك التفاصيل بالتعاون مع المحافظين والأجهزة التنفيذية. أما في غياب المحليات، فقد وجد المواطن نفسه بلا ملجأ رسمي يطرق بابه لحل أزماته اليومية سوى النائب البرلماني، والنائب، المحاصر بضغوط الصندوق الانتخابي ورغبة البقاء، وجد نفسه مجبراً على إقحام نفسه في هذه التفاصيل، لتحل أدوات التوسل الخدمي محل الأدوات الدستورية الأصيلة، والنتيجة هي تعطل أجهزة الرقابة الميدانية المحلية.
رابعاً: تأشيرة النائب التي تستبدل القوانين بالوساطات
واحدة من أكثر الصور جرحاً لكرامة المواطن ودولة المؤسسات هي مظاهر التأشيرات الاستثنائية، سواء كانت تأشيرة لنقل موظف أو تقريب اغترابه، أو تأشيرة لعلاج مواطن على نفقة الدولة، أو تأشيرة لقبول طالب في مدرسة أو نقل طالب آخر. هل تساءلنا يوماً: لماذا يحتاج المواطن إلى تأشيرة نائب أصلاً؟ إن لجوء المواطن للنائب للحصول على استثناء هو دليل قاطع على عجز القوانين واللوائح الإدارية عن إرساء قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، فعلى سبيل المثال، في ملف حاد ومؤرق مثل تقليل الاغتراب للموظفين، يعتمد الوضع الحالي على تقديم رجاء خاص واستثناء شخصي، مما يسبب إحراجاً بالغاً للنائب وتمييزاً غير عادل بين المواطنين، بينما الحل الدستوري المستدام يكمن في سن قانون محكم ولائحة معلنة تعتمد الشفافية والأقدمية والأبعاد الإنسانية عبر منظومة إلكترونية. وكذلك في ملف العلاج على نفقة الدولة، يستبدل الاستحقاق التلقائي القائم على منظومة تغطية صحية شاملة بجرعات وساطة نيابية للحصول على موافقة سريعة، إن التأشيرة الاستثنائية تكرّس المحسوبية وتضع المواطن في موقع المترجي لنيل ما هو حق أصيل له، بدلاً من إرساء مبدأ سيادة القانون وتكافؤ الفرص والتحول الرقمي للخدمات. أليس من الأولى بدلاً من أن يرهق النائب خلف 50 تأشيرة لتقليل اغتراب 50 موظفاً، أن يسن قانوناً أو لائحة عادلة وشفافة لتقليل الاغتراب تطبق تلقائياً على الجميع دون حاجة لإحراج النائب أو إهانة كرامة المواطن؟
خامساً: حلول جذرية للخروج من المأزق
لكي نعود إلى الرشد الدستوري، ونبني دولة مؤسسات حقيقية يتفرغ فيها النائب لمهامه الأصيلة (التشريع والرقابة)، لا بد من تبني حزمة حلول شجاعة وجذرية:
أولاً، التعجيل بإجراء انتخابات المجالس المحلية وإعادة الحياة للمجالس المحلية المنتخبة وفق قوانين تمكنها من السلطة المالية والإدارية والرقابية على مستوى القرى والمراكز والمحافظات، وذلك اتساقاً مع توجيهات فخامة رئيس الجمهورية مؤخراً بضرورة استكمال الاستحقاقات الدستورية وإسراع الخطى نحو إصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخاباتها، لتفعيل اللامركزية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار ومراقبة الأداء التنفيذي، وهو الإجراء الكفيل بإزاحة أكثر من 80% من العبء الخدمي عن كاهل نواب البرلمان وتفرغهم لمهامهم الأصيلة.
ثانياً، الحوكمة والتحول الرقمي للخدمات وإلغاء مفهوم التأشيرة الاستثنائية نهائياً عبر بناء منصات إلكترونية معلنة للخدمات الحكومية، كالعلاج على نفقة الدولة وطلبات النقل والتقريب وخدمات المرافق، فعندما تخضع هذه الطلبات لمعايير مفاضلة رقمية وشفافة، لن يحتاج المواطن لوكالة النائب، ولن يملك النائب فرصة للمتاجرة بالخدمة.
ثالثاً، التوجه إلى التشريع الخدمي بدلاً من الخدمة الفردية، وأن يدرك النواب أن خدمتهم الحقيقية لدوائرهم لا تكون بالاستثناءات، بل بسن القوانين التي تصلح المنظومة ككل، فقانون واحد يُهندس موازنة الصحة أو ينظم الرعاية الصحية الشاملة يخدم ملايين المواطنين، أفضل من ألف تأشيرة علاج فردية.
رابعاً، إعادة هيكلة الأدوات الرقابية تحت القبة وتفعيلها، كالأدوات الرقابية الحادة كالأستجوابات ولجان التقصي بمرونة أكبر، وتوفير حماية وحصانة حقيقية للممارسة الرقابية، بحيث لا يشعر النائب بأن ممارسته لدوره الدستوري ستعطل مصالح دائرته الخدمية لدى الوزارات.
ختاماً إن استعادة هيبة البرلمان والسمو بالدور النيابي ليسا رفاهية سياسية، بل هما شرط أساسي لبناء الجمهورية الجديدة، المواطن لا يحتاج نائباً يتحول إلى وسيط خدمات في أروقة الوزارات، بل يحتاج نائباً يقف بكل قوة وجرأة تحت قبة البرلمان ليصنع له قانوناً يعطيه حقه بعزة وكرامة دون الحاجة لرجاء أو استثناء.
لقد حان الوقت ليرمي النائب حقيبة الخدمات الفردية، ويحمل بدلاً منها أوراق التشريع وسيف الرقابة.. فهكذا فقط تبنى الدول، وهكذا فقط تُحترم الشعوب.