بقلم : نازك شوقي
«ما فكرتش ما أسلمهاش.. قلت كانت نفعت أصحابها.»
جملة بسيطة قالها يوحنا عبد التواب، لكنها تختصر لحظة كان يمكن لمبلغ واحد أن يغيّر حياته كلها.
في مثل هذا اليوم من عام 2003، وقبيل الخامسة صباحًا، وصل بلاغ إلى نقطة إسعاف الصفا عن حادث على الطريق الصحراوي الشرقي. انطلق يوحنا وزميلاه ، المسعف سامح سمير والسائق اسماعيل عبد الحميد إلى موقع الحادث،وكالعادة إنقاذ المصابين هو الأولوية.

يوحنا عبد التواب وزملائه
وبينما كانوا يفتحون أبواب السيارات، بحثًا عن ناجين، وجدوا خلف أحدها شيئًا لم يكن في الحسبان:
لفافات من العملات الأجنبية، قُدّرت قيمتها وقتها بنحو مليون ونصف المليون جنيه.
وفي تلك اللحظة، بدأ الاختبار.
كان يوحنا يومها في الثلاثين من عمره، متزوجًا وأبًا لثلاثة أبناء؛ أكبرهم في التاسعة، وأصغرهم لم يتجاوز ستة أشهر. وكان عمله في الإسعاف الصحراوي يعني أسبوعًا كاملًا بعيدًا عن بيته، ثم يعود في أسبوع الراحة ليحاول أن يعوض أسرته عن غيابه.

لم تكن الحياة مرفهة، وكان المال وقتها كفيلًا بأن يخفف كثيراً من أعباء أسرة محدودة الدخل.
يقول:
«ما فكرتش ما أسلمهاش.. قلت كانت نفعت أصحابها.»
وبالنسبة إليه، انتهى الأمر عند هذه الجملة.
لكن الواقعة لم تمر مرورًا عابرًا؛ سرعان ما وصلت إلى المسؤولين، وتناقلتها الصحف، وتحولت أمانة المسعف إلى قصة يتذكرها الناس حتى اليوم

ويذكر يوحنا أن معالي وزير الصحة الدكتور اسماعيل سلام هاتفه في ذلك اليوم، وأن المحافظ، اللواء حسن حميدة، طلب لقاء المسعفين وتكريمهم ومنحهم مكافآت مالية.

لم تمر الواقعة دون أن تترك أثرًا.
وبين يديه اليوم ماتبقى من تلك الحكاية شهادات تقدير من نقابته والمحافظة والكنيسة التي نشأ وترعرع فيها، إلى جانب قصاصات صحفية وثقت الواقعة والتكريم الذي جاء بعدها ، أوراق اصفرّت أطرافها بمرور السنوات، لكنها لا تزال تحمل تفاصيل ذلك الفجر الذي اختبر معدنه.

لكن يبدو أن قصة يوحنا مع الأمانة لم تكن قد انتهت.
«إنت إيه حكايتك يا ابني؟»
بعد واقعة المليون ونصف المليون جنيه، وجد يوحنا نفسه أمام اختبار آخر.
هذه المرة لم تكن أموالًا.
كانت أربعة كيلوغرامات من سبائك الذهب.
وكما فعل في المرة الأولى، سلّمها.

يوحنا عبد التواب مع المحافظ
ويتذكر يوحنا أن المحافظ نظر إليه مبتسمًا وقال:
«إنت إيه حكايتك يا ابني؟»،
وربما كانت الإجابة عن هذا السؤال أقدم بكثير من لحظة العثور على الذهب أو المال، فقد بدأت في منزل صغير بالملكية البحرية بملوي، حيث نشأ يوحنا في حضن والده المعلم عبده إسحق، مرتل مطرانية ملوي، الرجل الذي ترك الأثر الأكبر في شخصيته.

والد يوحنا (المعلم عبده)
كان الأب كفيفًا، لكن ابنه لم يرَ فيه يومًا عجزًا عن رؤية الحياة؛بل كان يراه صاحب بصيرة ويذكر عنه الوداعة والتواضع والحكمة والأمانة.
يقول:
«رغم إنه كان كفيف، لكنه كان يتمتع ببصيرة القلب.. أنا عمري ما حسيت إن والدي كفيف.»
وكانت هناك جملة ظل يتذكرها من ابيه:
«يارب ما تديناش مال يضلنا ولا فقر يزلنا.»
ربما كانت دعوة يرددها الأب ، لكن كلماتها تحولت بعد سنوات إلى اختبار حقيقي لابنه.
—
حياة بدأت من تحت الصفر
لم تكن بداية يوحنا سهلة، ولم تكن أمامه حياة مرفهة ينتظر أن تأتيه؛ كان عليه منذ وقت مبكر أن يعتمد على نفسه، ويصنع طريقه خطوة بخطوة.
تزوج في الثانية والعشرين، بعد أن أدى الخدمة العسكرية ، وبدأ حياته موظفًا في الصحة براتب بسيط لم يكن يكفي احتياجات أسرته، فاختار أن يعمل في الحدادة المسلحة إلى جانب وظيفته، محاولًا أن يصنع بجهده حياة أكثر استقرارًا لأسرته.
يقول:
«بدأت حياتي من تحت الصفر.. وشاركتني زوجتي حياتي المرة قبل الحلوة لم تكن مجرد شريكة حياة بل كانت شريكة في بناء الحياة نفسها»
وفي إحدى مراحل حياته، حاول يوحنا إنشاء مشروع صغير لـ”البلايستيشن”، لكنه لم يستمر.
يقول:
«اتاخدت مني كل الأجهزة، والدنيا قفلت في وشي وعدت إلى الصفر »
لكن الباب الذي أغلق أمامه دفعه إلى طريق آخر.
اتجه إلى الإسعاف الصحراوي، حيث كان الدخل أفضل، لكنه كان يعرف أن هناك ثمنًا آخر سيدفعه:
الغياب….
في ذلك الوقت، كنا نربي أطفالًا صغارًا، وكان غياب يوحنا لأسبوع كامل يعني أن البيت والأبناء يصبحون مسؤوليتي وحدي ؛ المدارس، والمذاكرة، وتفاصيل الحياة اليومية، وكل ما يحتاجه الأطفال.
لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان اتفاقًا بيننا على أن نحاول بناء مستقبل أفضل للأبناء.
يقول يوحنا:
«اتفقنا أنا وزوجتي إننا نربي ونعلم أولادنا أهم من البناء.. كنا نعيش بمبدأ: ابنِ ابنك ولا تبنِ له.»
—
الطريق الذي لا ينسى
لم يكن يوحنا يعرف أن الطريق الذي اختاره بحثًا عن رزق أفضل، سيأخذه إلى مشاهد ستبقى معه سنوات طويلة.
في الإسعاف الصحراوي، لم تكن مهمته تقتصر على الوصول إلى المصابين وإنقاذهم؛ كان يواجه الموت في أكثر صوره قسوة، ويرى كل يوم ما يصعب على الذاكرة أن تنساه.
ومن بين تلك المشاهد، يظل حادث ميكروباص حاضرًا في ذاكرته:
«جثة قاعدة على الكرسي، والراس مفصولة، وبتقولي: الحقني بسرعة.. حرفيًا شعر راسي وقف.»
ثم يصمت قليلًا قبل أن يضيف:
«ومن ده كتير.. كل ساعة حوادث، وأشلاء ومناظر تشيب لها الرأس.»
مشاهد كهذه كانت جزءًا من عمله، لكنه لم يكن يملك رفاهية التوقف أمامها طويلًا؛ فخلف كل بلاغ إنسان ينتظر النجدة، وأسرة تنتظر عودة أحد أفرادها.
وهكذا كان يعود إلى الطريق مرة أخرى، في اليوم التالي، ثم الذي يليه.. يحمل ما رأى في ذاكرته، ويواصل عمله كأن عليه دائمًا أن ينقذ حياة أخرى
……..
الأسرة ..نصف الحياة
وبعد ثلاث سنوات من واقعة الأمانات، وفي عام 2006 تحديدًا، زادت مسؤوليات الأسرة، وزاد الحمل بعد إنجاب الطفل الرابع ، فقرر يوحنا ترك الإسعاف الصحراوي والعودة إلى وظيفته في الصحة كرئيس تمريض.

لكن الراتب لم يكن يكفي احتياجات الأسرة، فبدأ مشروعًا للألبان كمصدر دخل إضافي
وتدرج في الوظيفة حتى وصل إلى درجة مدير عام.
واليوم كبر الأبناء ؛ سيلفيا وكيرلس، خريجا التربية الفنية، ومينا الذي يدرس الطب البشري، وليزا التي تدرس العلوم، تخصص ميكروبيولوجي.

يوحنا عبد التواب واسرته
ومرت السنوات، وتغيرت الوظيفة، وكبر الأبناء، وبدا أن الحياة تستقر قليلًا.
حتى جاء عام 2024.
عام يصفه يوحنا بأنه عام النكسة.
احترق محل الألبان. المكان الذي كان يمثل مصدر رزقه تحول أمام عينيه إلى كومة من الرماد.

يقول:
«لما شوفته نزل كوم رماد.. الدنيا اسودت في وشي وانكسرت.»
كانت لحظة قاسية، ليس فقط بسبب الخسارة المادية، وإنما لأن المكان كان حصيلة سنوات من العمل ومحاولات البدء من جديد.
كنت إلى جواره في تلك اللحظة، ورأيت الانكسار في عينيه، لكنني كنت أعرف أن الاستسلام لم يكن يومًا طريقنا.
قلت له :
«فيه ضربة تنيم وضربة تقوم.. قوم تاني، واقف على رجلك من تاني، وأنا معاك وسندك ،ما تستسلمش ، تعويضات ربنا كتيرة وربنا هيعوضك.»
وكان رده :
صحيح .. المرأة هي عمود البيت؛ إما أن تكون سببًا في أن يغرق، أو جسرًا يعبر به إلى بر الأمان.
وأحمد الله إن رزقني بامرأة مدبّرة وحكيمة، واجتمعت فيها كل الصفات الجميلة.»
ويكمل
«بالنسبة لي كانت بمثابة جبل أسند عليه.. يا جبل ما يهزك ريح.»
لم تكن هذه أول مرة تختبرنا فيها الحياة؛ عشنا ضيقًا ومسؤوليات وخسارات،ولم يكن أمامنا سوى أن نبدأ من جديد ؛ فما زالت أمامنا رسالة لم تنتهِ، وأبناء قطعنا معهم عهدًا أن نكمل طريقهم في التعليم، مهما كانت الظروف.
ماذا بقي بعد 23 عاما؟
يتنهد، ويتحدث عن سنوات من التجارب والضيقات والأزمات، وعن كل مرة اضطر فيها إلى أن يبدأ من الصفر. ثم يعود إلى إيمانه بأن يد الله كانت دائمًا تسنده.
يقول:
«كنت شايف إيد ربنا بتسندني وترفعني في كل مرة أقع وتقيّمني.»

مرت 23 عامًا، وتغيّرت الحياة، وتبدّلت الأيام.
ذهب المال، ومضى الفجر.
لكن بقي الأثر.
بعض الحكايات تنتهي.. وأثر أصحابها لا ينتهي.

جريدة الجمهورية

جريدة أخبار اليوم

جريدة الأهرام

جريدة الرأي

جريدة صوت المنيا

شهادة تقدير المحافظة

شهادة تقدير من النقابة

شهادة تقدير من الكنيسة

السيد اللواء حسن حميدة محافظ المنيا والمسعفين الثلاثة


يوحنا عبد التواب مع محافظ المنيا
