تقدّم المفكر الاقتصادي ناصر عدلي بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفيلسوف والمفكر المصري الكبير الدكتور مراد وهبة، وإلى تلاميذه ومحبيه وكل من آمن بمشروعه التنويري، مؤكدًا أن برحيله فقدت مصر والعالم العربي أحد أبرز العقول النقدية الشجاعة التي نذرت حياتها للدفاع عن حرية الفكر والعقلانية والمواطنة.
وقال عدلي إن الدكتور مراد وهبة خاض معارك التنوير بلا هوادة، وانحاز طوال مسيرته إلى العقل الحر، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء وعيه، وبأن المجتمعات لا تتقدم إلا عبر الفكر النقدي واحترام التعددية ورفض الانغلاق.
نبذة عن الفيلسوف الراحل
يُعد الدكتور مراد وهبة جبران أحد أبرز فلاسفة مصر والعالم العربي، واسمًا لصيقًا بمشروع التنوير والعقلانية النقدية. وُلد في 13 أكتوبر 1926 بمحافظة أسيوط، وتوفي في 7 يناير 2026 عن عمر ناهز 100 عام، بعد مسيرة فكرية امتدت لما يقرب من ثلاثة أرباع القرن.
كرّس وهبة حياته للدفاع عن الدولة المدنية وحقوق المواطنة، وناهض التعصب الديني والفكري، معتبرًا أن أزمة المجتمعات العربية ليست في الدين، بل في مصادرة العقل وتقييد حرية التفكير.
المسيرة الأكاديمية والمهنية
درس الدكتور مراد وهبة الفلسفة في الجامعات المصرية، ثم واصل دراساته العليا، وعمل أستاذًا للفلسفة بجامعة عين شمس، ورئيسًا لقسم الفلسفة بكلية التربية. كما تولّى عددًا من المناصب الفكرية والأكاديمية، من بينها:
رئيس وحدة الدراسات الإنسانية بمركز بحوث الشرق الأوسط – جامعة عين شمس
مستشار دار المعارف بالقاهرة
رئيس تحرير “ملحق الفلسفة والعلم” بمجلة الطليعة
وشارك الراحل في جمعيات فلسفية دولية، وكان له حضور فاعل في النقاشات الفكرية داخل مصر وخارجها.
مشروعه الفكري وأبرز أفكاره
تميّز مشروع مراد وهبة الفكري بالدفاع الصريح عن العقل النقدي وحرية الفكر، وربط الفلسفة بالواقع الاجتماعي والسياسي. ولم يتعامل مع الفلسفة بوصفها نشاطًا نظريًا مجردًا، بل كأداة لفهم الأزمات ومواجهة التطرف والانغلاق.
ودعا وهبة إلى التنوير والعقلانية باعتبارهما أساس التقدم، وناصر الحوار والتعددية، ورفض سلطة التفسير الأحادي للنصوص، مؤكدًا أن حرية الضمير شرط أساسي لبناء مجتمع مدني حديث.
مؤلفاته وإرثه الثقافي
خلّف الفيلسوف الراحل إرثًا فكريًا ثريًا من الكتب والمقالات والدراسات، من أبرزها:
«العقل والحرية»
«المدخل إلى الفلسفة»
«الدين والدولة في مصر»
«نقد العقل السلفي»
«الخطاب الديني وأزمة العقل»
«ابن رشد والرشديون الجدد»
وقد أسهمت هذه الأعمال في تشكيل وعي أجيال من الطلاب والباحثين، ورسّخت مكانته كأحد أهم دعاة التنوير والعقلانية في الثقافة العربية المعاصرة.
خسارة للفكر العربي
يمثّل رحيل الدكتور مراد وهبة خسارة فادحة للفكر العربي، إذ ظل حتى أيامه الأخيرة صوتًا حرًا في الدفاع عن العقل والمواطنة والدولة المدنية. وبرحيله، تبقى أفكاره حاضرة في كتبه وتلاميذه وكل من تأثر بمشروعه التنويري، شاهدًا على أن الدفاع عن العقل مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتقادم.
وقد نعى وزير الثقافة المصري الراحل، مؤكدًا أنه كان من أبرز دعاة التنوير، وأسهم في ترسيخ منهج التفكير العلمي وقيم الحوار الثقافي.
رحم الله الفيلسوف الكبير، ولتبقَ أفكاره منارة لكل من يؤمن بأن الحرية تبدأ من العقل، وأن الشهادة للحق لا يحدّها زمان.

